ابن حمدون

297

التذكرة الحمدونية

يؤوده عظيم ، ولا يبهظه جسيم ، ولا يجري في القران مع شقيقه ، ولا في الطريق مع رفيقه ، إلا كان مجلَّيا لا يسبق ، ومبرزا لا يلحق ، وفائتا لا ينال شأوه ونهايته ، وماضيا لا يدرك مداه وغايته . وأشهد اللَّه أنّ الذي ساءه ساءني فيه ، وما آلمه آلمني له ، ولم يجز عندي في حكم ما بيني وبينه استصغار خطب جلّ عنده وأرمضه ، ولا يهوننّ صعب بلغ منه وأمضّه ؛ فكتبت هذه الرقعة قاضيا بها من الحقّ في مصابه بقدر ما أظهره من إكباره ، وأبله من إعظامه . وأسأل اللَّه أن يخصّ القاضي من المعوضة بأفضل ما خصّ به البشر عن البقر ، وأن يفرد هذه العجماء بأثرة من الثواب ، يضيفه بها إلى المكلَّفين من ذوي الألباب ، فإنها وإن لم تكن منهم فقد استحقّت أن تلحق بهم ، بأن مسّ القاضي أيده اللَّه سببها ، وأن كان إليه منتسبها ، حتى إذا أنجز اللَّه ما وعد به عباده المؤمنين من تمحيص سيئاتهم ، وتضعيف حسناتهم ، والإفضاء بهم إلى الجنة التي جعلها اللَّه لهم دارا ، ورضيها لجماعتهم قرارا ، أورد القاضي حينئذ موارد النعيم ، مع أهل الصراط المستقيم ، وثوره مجنوب معه مسموح له به . وكما أنّ الجنة لا يدخلها الخبث ، ولا يكون من أهلها الحدث ، إنما هو عرق يجري من أبدانهم ، ويروي أغراضهم كالمسك ، كذلك يجعل اللَّه مجرى الأخبثين من هذا الثور يجريان للقاضي بالعنبر الشّحريّ ، وماء الورد الجوريّ ، فيصير ثورا له طورا ، وجونة عطار طورا . وليس ذلك بمستبعد ولا مستنكر ، ولا مستصعب ولا متعذّر ، إذ كانت قدرة اللَّه - جلّ ثناؤه - محيطة ، ومواعيده لأمثاله ضامنة بما وعد اللَّه في الجنة لعباده الصادقين ، وأوليائه الصالحين ، من شهوات نفوسهم وملاذّ أعينهم ، وما هو سبحانه مع غامر فضله وفائض كرمه بمانعه ذاك مع صالح مساعيه ومحمود شيمه . وقلبي متعلَّق بمعرفة خبره - أدام اللَّه عزّه - فيما ادّرعه من شعار الصبر ، واحتفظ به من صالح الأجر ، ورجع إليه من التسليم لأمر اللَّه عزّ وجلّ الذي طرقه ، والسكون لما أزعجه وأقلقه ، فليعرّفني القاضي من ذلك ما أكون به ضاربا معه بسهم المشاركة فيه ، وآخذا بقسط المساعدة عليه ، إن شاء اللَّه .